القرطبي

202

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الصاحين . وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله ، وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه ، وبتكفير ما ضيع في وقت سكره من الاحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر . الرابعة - قوله تعالى : ( الصلاة ) اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا ، فقالت طائفة : هي العبادة المعروفة نفسها ، وهو قول أبي حنيفة ، ولذلك قال ( حتى تعلموا ما تقولون ) . وقالت طائفة : المراد مواضع الصلاة ، وهو قول الشافعي ، فحذف المضاف . وقد قال تعالى ( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ( 1 ) ) فسمى مواضع الصلاة صلاة . ويدل على هذا التأويل قوله تعالى : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) هذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا الصلاة فيه . وقال أبو حنيفة : المراد بقوله تعالى : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي ، وسيأتي بيانه . وقالت طائفة : المراد الموضع والصلاة معا ، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين ، فكانا متلازمين . الخامسة - قوله تعالى : ( وأنتم سكارى ) ابتداء وخبر ، جملة في موضع الحال من ( تقربوا ) . و ( سكارى ) جمع سكران ، مثل كسلان وكسالى . وقرأ النخعي ( سكرى ) بفتح السين على مثال فعلى ، وهو تكسير سكران ، وإنما كسر على سكرى لان السكر آفة تلحق العقل فجرى مجرى صرعى وبابه . وقرأ الأعمش ( سكرى ) كحبلى فهو صفة مفردة ، وجاز الاخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من الاخبار عن الجماعة بالواحد . والسكر : نقيض الصحو ، يقال : سكر يسكر سكرا ، من باب حمد يحمد . وسكرت عينه تسكر أي تحيرت ، ومنه قوله تعالى : ( إنما سكرت أبصارنا ( 2 ) ) . وسكرت الشق ( 3 ) سددته . فالسكران قد انقطع عما كان عليه من العقل . السادسة - وفي هذه الآية دليل بل نص على أن الشرب كان مباحا في أول الاسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر . وقال قوم السكر محرم في العقل وما أبيح في شئ من

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 68 ( 2 ) راجع ج 10 ص 8 ( 3 ) في الأصول : سكرت السد سددته ، وفى ابن عطية : سكرت الماء سددته .